الحكايات والأساطير اليمنية.. ذاكرة شعبية على حافة الاندثار
مقدمة: في فلسفة الأسطورة والوجدان الجمعي
لا تبدأ حكاية الشعوب من تواريخ معاركها الكبرى، ولا من جرد سلالات ملوكها الحاكمة فحسب، بل تبدأ أولاً وقبل كل شيء من تلك الهمسات الليلية التي كانت الأمهات والجدات يسكبنها في آذان الصغار تحت أسقف البيوت الطينية، ومن حكايات المسافرين وقوافل اللبان التي عبرت الفيافي والقفار. إن الحكاية الشعبية والأسطورة هما "الجينات الروحية" التي تشكل الهوية الثقافية للأمم، وبدونهما تصبح الهوية مجرد قوالب صلبة بلا روح، وتاريخ جاف بلا حياة.
تُعد الأسطورة والمأثور الشفهي مرآة عاكسة للوعي الجمعي؛ ففيها تتجلى فلسفة الإنسان القديم في تفسير الطبيعة، ومخاوفه من المجهول، وصراعه الأبدي مع قوى الخير والشر، وقيمه الأخلاقية التي يرتضيها لضبط إيقاع مجتمعه. واليمن، هذا الموطن الجغرافي الفريد والممتد في أعماق التاريخ الإنساني كواحد من أقدم مراكز التحضر في جنوب شبه الجزيرة العربية، يمتلك إرثاً سردياً شفهياً من أغزر وأعرق الموروثات العالمية.
لكن هذا الإرث الفخم، الذي صمد آلاف السنين في وجه العواصف والتحولات، يواجه اليوم خطراً غير مسبوق. إننا نقف على شفا جرف هارٍ قد تتلاشى من فوقه ذاكرتنا الشعبية تحت ضربات "الحداثة السائلة"، والتكنولوجيا الرقمية الاستهلاكية، فضلاً عن أتون الحروب والصراعات التي تنهش جسد الجغرافيا اليمنية وتشتت مجتمعاتها المحلية الحاملة لهذا المأثور. في هذا التحقيق الموسوعي، نبحر عميقاً في تفاصيل الأسطورة اليمنية، نفكك رموزها، ونرصد مسارات انتقالها، ونبحث في سبل إنقاذها من غياهب النسيان.
أولاً: التأسيس المعرفي والمنهجي: فروق جوهرية في الذاكرة السردية
قبل الغوص في أعماق الموروث اليمني، يفرض الواجب المنهجي والأنثروبولوجي تبيان الحدود الفاصلة بين مصطلحات تتدخل وتتشابك في الأذهان بشكل مستمر: الأسطورة، الحكاية الشعبية، الخرافة، والرواية الشفوية التاريخية. هذا التمييز ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو الأداة العلمية التي تعيننا على تفكيك النص السردي وفهم دوافع منشئه.
1. الأسطورة (Myth)
الأسطورة في جوهرها نص مقدس أو شبه مقدس في زمن نشوئه. ترتبط بالآلهة، والأنصاف آلهة، والأبطال الخارقين، والبدايات الأولى للكون والوجود الطبيعي. الأسطورة تجيب عن الأسئلة الكبرى: كيف خلق العالم؟ كيف انبثق النور من الظلام؟ وكيف تخلقت الجبال؟ في الموروث اليمني القديم، تظهر الأسطورة جلية في النقوش الأثرية والقصص المتوارثة عن الثالوث الإلهي السبئي والقتباني والحميري (عثتر، والمقة، وود، ونكرح)، وكيف تحولت هذه الكائنات الإلهية في الذاكرة الشعبية اللاحقة (بعد الإسلام) إلى شخصيات تاريخية أو جن ملوك يملكون قدرات خارقة.
2. الحكاية الشعبية (Folktale)
الحكاية الشعبية هي عمل نثري فني يتناقله الناس شفاهة، يخلو من القداسة، ولا يرتبط بزمن محدد أو مكان جاري التحقق منه بدقة. أبطالها عادة من البشر العاديين، أو الحيوانات الناطقة، وتستهدف تقديم موعظة أخلاقية، أو التعبير عن حكمة فلاحية، أو تسلية السامرين. الحكاية الشعبية اليمنية تتسم بالواقعية السحرية؛ فهي تبدأ من بيئة يمنية خالصة (حقل زراعي، مجرى سيل، حصن جبلي) ثم تتسع لتشمل عناصر خارقة للطبيعة لمساعدة البطل الصالح أو معاقبة الطماع والشرير.
3. الخرافة (Fable / Superstition)
الخرافة هي المعتقد أو السرد الذي يقوم على اللامعقول والوهم المحض، وغالباً ما ترتبط بأغراض ترهيبية أو تفسيرات بدائية لظواهر طبيعية مخيفة (كالمرض، والموت، والكسوف، والزلزال). وفي اللهجة اليمنية الدارجة، يُطلق على هذه القصص اسم "المخاريف" أو "الأقاويل". الخرافة تتجاوز منطق السببية، والهدف منها أحياناً يكون تربوياً قمعياً (مثل حكايات الكائنات المرعبة لمنع الأطفال من مغادرة المنازل ليلاً).
4. الرواية الشفوية التاريخية (Oral History)
هي التوثيق المروي شفهياً لأحداث حقيقية وقعت بالفعل في التاريخ المنظور أو المتوسط، وتناقلتها الأجيال لعدم وجود تدوين رسمي أو بسبب ضياع الوثائق المكتوبة. الرواية الشفوية في اليمن تمثل رافداً أساسياً للمؤرخ؛ فهي توثق الهجرات القبلية، ومواسم القحط والمجاعة، والمعارك المحلية، وأنساب القبائل، وعادات وتقاليد الزواج والزراعة، والزوامل والمساجلات الشعرية التي وثقت منعطفات تاريخية حاسمة.
ثانياً: اليمن كحاضنة أسطورية استثنائية: الجغرافيا كصانعة للخيال
تُعد الجغرافيا اليمنية أحد أهم العوامل التي ساهمت في صياغة هذا الوجدان الأسطوري الغزير. إن تنوع هذه الجغرافيا بين جبال شاهقة تغلف قممها السحب الكثيفة والضباب، ووديان عميقة تسكنها الخضرة وتشقها سيول جارفة، وصحارى ممتدة تلتحم بالسماء، وجزر معزولة كأرخبيل سقطرى الفريد؛ قد جعل من كل بقعة بيئة خصبة لولادة أسطورة تناسب طبيعتها.
في المرتفعات الجبلية (مثل حراز، وريمة، وإب، وعتمة)، حيث تشيد القرى المعلقة على قمم الجبال الشاهقة كعشاش العقبان، ولدت حكايات الحصون المنيعة والكنوز المرصودة بالطلاسم والجن الذين بنوا القصور في ليلة واحدة. بينما في تهامة وسهولها الساحلية الحارة، اتسمت الحكايات بطابع روحاني ارتبط بالبحر، والصيد، وحكايات الأولياء الصالحين والكرامات، والصراع مع قوى البحر الغامضة.
أما في وادي حضرموت وجوف اليمن، حيث الصحراء المتاخمة للرمال العظيمة (الربع الخالي)، فقد تخلقت أساطير المدن المفقودة المدفونة تحت الرمال مثل "إرم ذات العماد"، والآبار الموحشة التي يقال إنها سجون للشياطين والجن كـ "بئر برهوت". إن هذا التباين البيئي والمناخي والطبغرافي فرض على المخيلة اليمنية تنوعاً مذهلاً في الشخوص، والرموز، والتمثلات الفنية للقصة الشعبية.
ثالثاً: شرايين السرد الشفهي: كيف عاشت الأسطورة قبل التدوين؟
قبل أن يطرق التلفاز والمذياع أبواب البيوت اليمنية، وقبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي لتعيد صياغة انتباه الإنسان، كانت هناك قنوات ومؤسسات شعبية متكاملة تقوم بمهمة حفظ وتناقل وتطوير هذا الموروث الشفهي الهائل من جيل إلى جيل.
[ قنوات انتقال التراث الشفهي اليمني القديم ]
│
┌───────────────┼───────────────┐
▼ ▼ ▼
[حجرات الجدات] [مجالس المقيل] [الأسواق الشعبية]
(التربية والوجدان) (الحكمة والسمر) (نشر الأقاويل والزوامل)
1. "مخادر" الجدات وحكايات ما قبل النوم
الجدة اليمنية (أو "الجدّة" و"الحبابة" كما تُسمى في مختلف اللهجات اليمنية) كانت هي أمينة مكتبة الذاكرة الشعبية. في حجرات المنازل الطينية الدافئة، أو فوق سطوح المنازل الحجرية تحت ضوء القمر، كان الصغار يتحلقون حول الجدة التي تبدأ سردها بعبارات ساحرة مثل: "كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، حتى كان الديك يؤذن في دكان..." أو "حجيتكم ما بكيتكم، لولا الصدق ما جيتكم...". هذه الحكايات لم تكن مجرد وسيلة للنوم، بل كانت أولى قنوات التنشئة الاجتماعية والأخلاقية، وزرع حب الأرض والدفاع عن العرض والكرامة وحس العدالة.
2. "المقيل" اليمني كمؤسسة ثقافية حوارية
المقيل (مجلس تناول القات والسمر اليومي) في اليمن ليس مجرد تجمع اجتماعي عادي، بل هو برلمان شعبي ومنتدى فكري وثقافي يمتد لقرون. في مجالس المقيل، يلتقي كبار السن، والرواة، والشعراء، والفلاحون. هناك، تُستعاد حكايات الآباء والأجداد، وتُروى قصص المعارك التاريخية، وتُناقش المساجلات الشعرية (الزوامل والمهاجل). المقيل كان بمثابة مصفاة ثقافية تصفي الحكايات، وتمنحها أبعاداً جديدة، وتعيد إنتاجها لتناسب تغيرات العصر، مما حافظ على حيوية الموروث وديناميكيته.
3. الأسواق الشعبية الأسبوعية
الأسواق الأسبوعية في الأرياف اليمنية (مثل سوق السبت، الأحد، الثلاثاء) لم تكن مكاناً لتبادل السلع الزراعية والمواشي فحسب، بل كانت سوقاً عكاظية مصغرة. يجتمع فيها الحكواتية الشعبيون، ومنشدو السير والملاحم (المداحون)، والمنادون. في هذه الأسواق، تنتشر الروايات الشفوية عن أحداث المناطق المجاورة، وتنتقل الحكايات العجيبة من وادٍ إلى وادٍ ومن جبل إلى جبل عبر المسافرين والتجار.
رابعاً: مورفولوجيا الأسطورة اليمنية: تصنيف وتفكيك البنية السردية
لكي نفهم العقل السردي اليمني، يجب أن نصنف حكاياته وأساطيره بحسب موضوعاتها وشخوصها وأهدافها المعرفية. يمكننا تقسيم الموروث الأسطوري اليمني إلى خمس شعب رئيسية:
1. أساطير الملوك والحضارات القديمة (أسطرة التاريخ)
اليمنيون شعب فخور جداً بماضيه الحضاري التليد. وعندما سقطت الدول الكبرى وانقطعت المعرفة المباشرة بالخط المسند وقراءة النقوش بعد انهيار سد مأرب وغزو الأحباش والفرس، لم ينسَ الوجدان الشعبي أسماء ملوكه العظام، بل أعاد صياغتهم في قوالب أسطورية خيالية تبهر الألباب.
الملكة بلقيس (تتويج السحر والسياسة): في الذاكرة الشعبية اليمنية، بلقيس ليست مجرد ملكة حكيمة، بل هي ابنة ملك حميري يدعى "الهدهاد بن شرحبيل" وأمها جنية فائقة الجمال تدعى "عميرة". هذا النسب الهجين يفسر في المخيال الشعبي حنكتها الفذة وقدرتها على تطويع الجن لبناء الصروح العظيمة وقصر غمدان وقصر سلحين بمأرب.
الملك أسعد الكامل (البطل المخلص): يظهر الملك الحميري التُّبَّع "أسعد الكامل" في السرديات الشعبية كشخصية طافت الأرض شرقا وغرباً، ونشرت العدل، وكسيت الكعبة، وكان يملك طلاسم وجيشاً من الإنس والجن. الوجدان الشعبي حوله إلى رمز للمنقذ والأب الروحي للحضارة اليمنية.
سيف بن ذي يزن (سيرة الفارس والمحرر): تحولت شخصية الملك سيف بن ذي يزن، الذي حرر اليمن من الاحتلال الحبشي بمساعدة الفرس، إلى ملحمة شعبية ضخمة (سيرة سيف بن ذي يزن) تجاوزت حدود اليمن لتصبح مأثوراً عربياً وعالمياً. في هذه السيرة، يحارب سيف السحرة، الشياطين، ويتنقل بين الممالك الخفية مستعيناً بكتاب العجائب وبمساعدة أخته من الجن "عاقلة".
2. حكايات الجن والكائنات الغامضة (أساطير الرعب والضبط السلوكي)
تمتلئ المخيلة اليمنية الجبلية والساحلية بكائنات ما ورائية مدهشة ومرعبة، تلعب دوراً كبيراً في ضبط السلوك الاجتماعي للأفراد وبخاصة الأطفال والنساء والشباب.
اسم الكائن | المظهر والوصف الخيالي | الوظيفة الثقافية والاجتماعية في الحكاية |
|---|---|---|
أم الصبيان | جنية بشعة تملك أرجل بقرة أو حمار، تتنكر أحياناً في هيئة امرأة حسناء ذات عطر فواح تغوي الرجال وتختطف الأطفال. | تفسير حالات الوفاة المفاجئة للأطفال الرضع (موت المهد)، وتحذير الرجال من الاستسلام للنزوات والضياع في الأودية ليلاً. |
عيري دوعن / حمار القايلة | وحش نصفه بشر ونصفه حمار يظهر في أوقات الظهيرة الحارة في الوديان والمزارع. | منع الأطفال من الخروج من المنازل وقت الظهيرة (القايلة) لحمايتهم من ضربات الشمس ولدغات العقارب والأفاعي. |
الديدبان | كائن خارق ضخم يراقب الممرات الجبلية والوديان وله عين واحدة في جبهته. | غرس فضيلة اليقظة والحرص لدى حراس القرى والحصون ضد أي هجوم مفاجئ من الأعداء. |
الدجرة | مخلوق غريب برأس امرأة فاتنة وجسد كلبة سوداء تجري في السواحل والوديان. | التحذير من ارتياد الأماكن المهجورة والنائية وحث الناس على البقاء في تجمعاتهم الآمنة. |
3. قصص الكنوز المرصودة والمدن المفقودة (البحث عن الجنة الأرضية)
ارتبطت هذه القصص برغبة الإنسان اليمني في الهروب من واقع القحط والحروب والمجاعة عبر تخيل فضاءات من الثراء الفاحش والنعيم الأبدي المفقود.
إرم ذات العماد: المدينة الأسطورية التي بناها الملك "شداد بن عاد" في صحراء الأحقاف (بين حضرموت والمهرة والربع الخالي). تصفها الروايات الشعبية بأن قصورها من الذهب والفضة، وأعمدتها من الزمرد والياقوت، وأنها اختفت عن أعين البشر بلعنة إلهية، ولا تظهر إلا نادراً للمسافرين التائهين الذين يجدون أنفسهم فجأة في شوارعها المرصوفة بالمرجان ثم تختفي بمجرد محاولتهم العودة إليها مع الآخرين.
قصور التبابعة والكنوز المرصودة: يؤمن الكثير من سكان المناطق الريفية بأن الجبال والحصون اليمنية القديمة تحتوي على مغارات وكهوف سرية مليئة بذهب الحميريين وتيجانهم (الرصد). هذه الكنوز يحميها "رصد" (جني أو ثعبان عظيم أسطوري) لا يمكن فك لغزه إلا بقراءة تعاويذ خاصة من كتاب قديم أو بتقديم أضحية بمواصفات إعجازية.
4. الحكايات الأخلاقية والتربوية: حكمة الفلاح اليمني
في هذا النوع من الحكايات، تتجلى عبقرية الفرد اليمني البسيط وارتباطه الوثيق بالأرض والدورة الزراعية وقيم العمل الشريف.
علي ولد زايد (حكيم اليمن): شخصية أسطورية ونصف تاريخية تمثل صوت الوعي الفلاحي. تدور حوله مئات الحكايات والأقوال السائرة التي تعالج قضايا الصبر، والعمل، والزراعة، والتعامل مع تقلبات الطقس والناس. يُروى عنه أنه قال:
"يقول علي ولد زايد: ما في العيوب عيب، إلا كلام القفا وعيب من خالف أبوه..." أو في نصائحه عن الزراعة والاعتماد على النفس: "يا بقرة الصيف هاتي ما ببطنك وجاء ربيع الروح..."
حميد بن منصور: هو المعادل التهامي والجنوبي لعلي ولد زايد. تجسد حكاياته حكمة البدوي والفلاح التهامي في التعامل مع شح المياه وتقلب الرياح وصراعات القبائل، مستخدماً لغة شعرية مبسطة تختزل قروناً من التجربة الإنسانية على هذه الأرض.
5. أساطير الطوبوغرافيا والجغرافيا التاريخية
لم يترك الخيال اليمني جبلاً شاهقاً أو وادياً غامضاً إلا ونسج حوله أسطورة تفسر تشكله أو طبيعته الموحشة.
بئر برهوت (سجن الجن الأسفل): تقع هذه البئر الطبيعية العميقة في وادي سحيق بمحافظة المهرة. نسجت المخيلة الشعبية حولها أساطير مروعة لقرون، حيث قيل إنها بئر حُفرت بيد الجن لتكون سجيناً لمرتدي الشياطين، وأن ماءها أنتن ماء على وجه الأرض وتصدر منها أصوات أنين وهمهمات بالليل. ورغم أن البعثات العلمية الحديثة (مثل بعثة الاستكشاف العمانية في عام 2021) هبطت إلى قاع البئر ووثقت شلالاتها وصخورها وجمالها الطبيعي الخالي من أي جن، إلا أن الأسطورة الشعبية لا تزال حية في وجدان العامة كرمز للمجهول المرعب.
شجرة دم الأخوين (سقطرى): هذه الشجرة الفريدة بشكلها الشبيه بالمظلة وبسائلها الأحمر القاني، ارتبطت بأسطورة شعبية يمنية قديمة تقول إنها نبتت من دم هابيل عندما قتله أخوه قابيل في أول جريمة قتل في التاريخ البشري، أو أنها نبتت من دماء تنين وفيل تصارعا حتى الموت على أرض سقطرى.
خامسًا: تلاحم التاريخ بالخيال: كيف تفكر الذاكرة الشعبية؟
إن المثير للاهتمام في الأنثروبولوجيا اليمنية هو كيفية تداخل الحدث التاريخي الموثق علمياً مع الخيال الشعبي الجامح. لا تلغي الذاكرة الشعبية التاريخ، بل تقوم بـ "أنسنته" أو "تضخيمه" لجعله قابلاً للهضم العاطفي والتربوي.
خذ على سبيل المثال "تدمير سد مأرب العظيم"؛ تاريخياً وأركيولوجياً، تشير النقوش إلى أن السد انهار نتيجة تضافر عدة عوامل: ضعف الصيانة بسبب تراجع قوة الدولة السبئية، الصراعات السياسية الداخلية، التغيرات المناخية وهطول سيول غير مسبوقة (سيل العرم) تسببت في جرف جدار السد المتداعي.
أما الذاكرة الشعبية اليمنيية، فقد اختزلت هذا التعقيد التاريخي والسياسي في صورة أسطورية مكثفة وبديعة: "فأر السد" (أو الجرذ الأسطوري الذي كان يملك مخالب حديدية ونقب جدار السد العظيم صخرة بصخرة).
[ الحدث التاريخي الموثق ] ──────► (ضعف الدولة + صراعات + سيول مدمرة)
│
▼ (عملية الأسطرة والتبسيط الرمزي)
│
[ الرواية الشفوية الشعبية ] ────► (جرذ حديدي أرسله القدر لنقب السد كعقوبة أخلاقية)
لماذا هذا الدمج؟
التفسير الأخلاقي للكوارث: يعزز العقل الجمعي فكرة أن الكوارث الكبرى لا تأتي إلا عقاباً على كبرياء الإنسان وابتعاده عن الفطرة الأخلاقية السليمة وتخليه عن التضامن والتعاون.
الترميز والتبسيط: تحويل العوامل السياسية والاقتصادية المعقدة إلى رمز بسيط وواضح (فأر صغير يهدم إمبراطورية عظيمة) ليكون عبرة بليغة تتناقلها الأجيال بسهولة وعمق.
سادساً: في معبد توثيق التراث: رواد حفظ الذاكرة الشفهية اليمنية
لم يكن للتراث الشفهي اليمني أن يصلنا اليوم لولا جهود مضنية بذلها باحثون ومؤرخون مخلصون، أدركوا مبكراً أن موت شيخ طاعن في السن في قرية نائية يعادل احتراق مكتبة كاملة من المخطوطات النادرة.
1. لسان اليمن: أبو محمد الحسن الهمداني (القرن الرابع الهجري)
يُعد الهمداني الحجر الأساس والمؤسس الأول لتوثيق الجغرافيا والأنثروبولوجيا اليمنية. في كتابه الموسوعي الفذ "الإكليل" (وبالأخص الأجزاء الثامن والعاشر التي وصلتنا) وكتابه "صفة جزيرة العرب"، لم يكتفِ برصد الوقائع الجغرافية والأنساب، بل وثق الأساطير الحميرية، وقصص بناء القصور والآثار العجيبة، والروايات المتواترة عن القبور المكتشفة لملوك اليمن القدامى وما وجد فيها من كنوز وكتابات بالمسند، واصفاً إياها بدقة علمية ممتزجة بروح الحكواتي المحترف.
2. رائد الثقافة الشعبية: عبد الله البردوني
يمثل الشاعر والمفكر الكبير عبد الله البردوني نقلة نوعية ونقدية في التعامل مع التراث الشفهي اليمني. في كتابيه الرائدين: "الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية" و"فنارات في المأثور الشعبي"، حلل البردوني الحكاية الشعبية اليمنية من منظور سوسيولوجي وطبقي بارع.
رأى البردوني أن الحكاية الشعبية (مثل حكايات "بانواس" و"الشندري") هي بمثابة أداة احتجاج سياسي واجتماعي للمواطن اليمني البسيط ضد قوى القهر والظلم والفقر. الحكاية عنده ليست تسلية، بل هي "السلاح السري للمستضعفين" يعيدون فيه صياغة موازين القوى لصالح الذكاء والعدالة والكرامة الإنسانية عبر بطل الحكاية الضعيف ظاهرياً والقوي بذكائه وحكمته.
3. مطهر الإرياني: ربط النقش بالحكاية
كرّس المؤرخ والشاعر الكبير مطهر الإرياني حياته لترجمة النقوش اليمنية القديمة (المسند) وربطها بالمأثور الشفهي الحي في ألسنة المزارعين اليمنيين اليوم. أدرك الإرياني أن أسماء المواسم والنجوم وحركات السحب والرياح والأدوات الزراعية المتداولة شفهياً في حكايات الفلاحين هي امتداد لغوي وحضاري مباشر للغة السبئية والحميرية القديمة، مبرهناً على استمرارية الهوية اليمنية وعمقها التاريخي عبر تتبع هذه الخيوط الشفهية المدهشة.
4. محمد سبأ وصادق الشويع: امتداد الجيل المعاصر
في العقود الأخيرة، واصل باحثون من الجيل الجديد مسيرة التوثيق؛ فقد أصدر الفنان التشكيلي والباحث محمد سبأ كتابه "حكايات من التراث الشعبي اليمني" (الذي صدر بالقاهرة)، وحرص فيه على جمع وتدوين مئات الحكايات من بيئاتها الريفية الأصلية وصياغتها بنبضها المحلي لئلا تفقد طعمها الفطري.
كما جاء كتاب الكاتب صادق الشويع "المخيلة اليمنية نظرة في المعتقدات والأساطير" ليوثق الجوانب الغامضة من تفكير المجتمع في مسائل السحر، والجن، والنجوم، والكواكب، والمرض، والموت، مفرداً فصولاً غنية لدراسة البنية السيكولوجية للمجتمع اليمني وتفسيراته العجيبة لتقلبات الوجود.
سابعاً: رياح الحداثة وأمواج الحرب: الاندثار الصامت للذاكرة
نقف اليوم أمام مشهد تراجيدي حزين؛ فالرواية الشفوية اليمنية التي صمدت لآلاف السنين أمام الغزوات والكوارث الطبيعية، تتراجع اليوم وتوشك على الاختفاء التام تحت ضغط قوتين مدمرتين: التغيرات الاجتماعية الحداثية المتسارعة، والواقع السياسي والإنساني المأساوي في اليمن المعاصر.
[ محاور خطر اندثار التراث الشفهي ]
│
┌────────────────────────┴────────────────────────┐
▼ ▼
[ طوفان العولمة والحداثة ] [ كارثة الحرب والصراع ]
- سيطرة الهواتف وشبكات التواصل. - نزوح المجتمعات وتمزق نسيجها.
- موت "مجالس المقيل الحكائية". - رحيل كبار السن الحاملين للتراث.
- تفكك الروابط الأسرية والجيلية. - تدمير الحواضر والمراكز الثقافية.
1. طوفان "العولمة الرقمية" والاستهلاك البصري
لقد غيرت الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي (تيك توك، فيسبوك، يوتيوب) من البنية السلوكية للعائلة اليمنية. الحكاية الشعبية كانت تنمو وتزدهر في فضاءات التفاعل الإنساني المباشر. ومع تحول الجميع إلى شاشات الهواتف الفردية، ماتت تلك اللحظات السحرية التي كانت تجمع الصغار بحكايات الجدة، وحلت محلها مقاطع الفيديو السريعة والمحتوى الكوني المعولم الخالي من ملامح الهوية المحلية.
حتى مجالس المقيل، التي كانت منبراً لتناقل الحكايات والأشعار، أصيبت بـ "خرس تكنولوجي"؛ حيث يستغرق الحاضرون في هواتفهم ومجموعات الواتساب بدلاً من السماع والتفاعل مع الحكواتي أو الشيخ الراوي.
2. انقطاع التواصل الجيلي والتحضر المشوه
مع انتقال الأسر من القرى والأرياف إلى المدن الكبرى للعمل أو هرباً من شظف العيش، انقطع الارتباط بالبيئة الطبيعية الحاضنة للحكاية. الجيل الجديد الذي ينشأ في المدن لا يعرف معنى "القايلة"، ولا "الرصد"، ولا تفاصيل المواسم الزراعية. لقد تشكلت لديه لغة جديدة غريبة عن قاموس والده وجده، مما خلق "فجوة معرفية وجيلية" جعلت مأثور الأجداد يبدو في نظر الأبناء مجرد خرافات بالية لا تستحق الالتفات أو الحفظ.
3. الحرب المستمرة وتشتيت المجتمعات المحلية
إن الحرب المدمرة التي تضرب اليمن منذ أكثر من عقد قد سددت ضربة شبه قاضية لهذا الموروث اللامادي. أدت الحرب إلى نزوح ملايين اليمنيين وتشتيت عائلات وقبائل كاملة كانت تمثل حاضنات مغلقة ومتماسكة لحفظ سردياتها المحلية.
موت كبار السن وحاملي هذا التراث في مخيمات النزوح والمنافي، بعيداً عن ديارهم ودون وجود من يسجل مروياتهم، يمثل خسارة قومية لا يمكن تعويضها. أضف إلى ذلك تدمير البنية التحتية الثقافية كالمتاحف، ومراكز الفولكلور، وغياب أي ميزانيات أو اهتمام حكومي أو مؤسسي بجمع الموروث وحمايته في ظل غمرة النضال اليومي من أجل البقاء وتأمين رغيف الخبز.
ثامناً: من دفائن الصدور: حكايات حية من عمق الذاكرة اليمنية
لنتلمس معاً جمال وروعة هذه الذاكرة، نستحضر هنا ثلاث حكايات شهيرة من المأثور اليمني، صاغها الوجدان الشعبي بلمسة ساحرة تعكس قيمه وهويته ومخاوفه وطباعه الأصيلة.
الحكاية الأولى: "أم الصبيان وصياد.. صراع القبح والجمال في الجبال"
في مرتفعات اليمن الجبلية الشاهقة، يُحكى أن صياداً ماهراً وجريئاً كان يدعى "صياد". لم يكن يهاب وعورة المسالك ولا ظلمة الليل في طلب طرائده من الوعول والغزلان. وفي ليلة عاصفة ومظلمة، ضل طريقه في وادٍ سحيق يلفه الضباب والمطر الشديد. تراءى له من بعيد بريق نار هادئة، فهرع نحوها أملاً في مأوى ودفء.
عندما اقترب، وجد امرأة رائعة الجمال، تجلس بمفردها أمام النار وتغزل الصوف، تفوح منها رائحة المسك والريحان الشذي. رحبت به بصوت ناعم يذيب القلوب، وقدمت له الطعام والشراب. وقع الصياد في سحرها وجمالها الساحر، لكن بريقاً مفاجئاً من نار الموقد سقط على الأرض، فلمح الصياد بطرف عينه ما جعله يتجمد رعباً: كانت أقدام المرأة أقدام بقرة ذات أظلاف مشقوقة!
أدرك الصياد على الفور أنه يقف وجهاً لوجه أمام "أم الصبيان"، الجنية سيدة الغيلان والبراري الموحشة. تظاهر بالهدوء والتماسك، وطلب منها أن تعيره مقصاً كان بيدها ليصلح من ثيابه الممزقة. وعندما سلمته المقص، استجمع كل شجاعته وقام بطعنها في مقتل؛ فالحديد والمقصات في المأثور الشعبي اليمني هي السلاح الفتاك ضد الجن ويبطل سحرهم وقواهم الماورائية.
صرخت "أم الصبيان" صرخة عظيمة تزلزلت لها الجبال وانطفأت النار، وتحولت في لحظة من امرأة حسناء إلى غول بشع مخيف كاد صوته أن يذهب بعقل الصياد. ركض الصياد مستعيناً بخبرته بالجبال والكهوف حتى طلع الفجر، ونجا بحياته ليصبح درساً لكل من يغتر بمظاهر الجمال الخادع، ومؤكداً على يقظة العقل وشجاعة القلب اليمني في مواجهة أحلك الظروف وأعتى القوى.
الحكاية الثانية: "علي ولد زايد وربيع الروح.. فلسفة الأرض"
تُروى قصة طريفة وعميقة عن الحكيم اليمني "علي ولد زايد" في أحد مواسم القحط والجفاف التي ضربت قريته وجباله. انحبس المطر لأشهر طويلة، ويبست الحقول، وهزلت الماشية، وبدأ اليأس يتسلل إلى قلوب المزارعين الذين استعدوا للهجرة وترك منازلهم.
لكن علي ولد زايد، الذي كان يقرأ لغة النجوم والسحب ككتاب مفتوح، رفض الرحيل. كان يخرج كل يوم إلى حقله الجاف، يقلب التربة السمراء بفأسه، ويغني للأرض قائلاً: "أيتها الأرض الحنون، يا حضن آبائي، لن أتركك تموتين وحيدة". سخر منه جيرانه وقالوا له: "لقد جن علي ولد زايد، يحرث الغبار وينتظر الورد!".
وفي ليلة غاب فيها القمر، تجمعت سحب كثيفة داكنة من جهة القبلة (بحر تهامة)، وبدأ البرق يلمع كسيوف يمانية صقيلة. انهمر المطر بغزارة لم تشهدها الوديان من قبل، وسالت السيول تملأ المدرجات الزراعية بمياه الارتواء الطميية الغنية.
مع خيوط الفجر الأولى، خرج علي ولد زايد إلى حوش بيته الطيني، ونظر إلى بقرة الصيف الهزيلة التي كانت في زاوية الحوش، وربت على ظهرها بحنو بالغ منشداً كلماته الخالدة التي لا تزال تتردد في أرياف اليمن حتى اليوم:
"يقول علي ولد زايد: يا بقرة الصيف هاتي ما ببطنك.. وجاء ربيع الروح!"
تحولت كلماته إلى فلسفة بقاء؛ فالصبر على الأرض والتمسك بالتراب والعمل الدؤوب في أحلك فترات الجفاف هو الطريق الوحيد لانبعاث الحياة (ربيع الروح) من جديد. غدت الحكاية مثلاً يُضرب في الوفاء للأرض والوطن وعدم اليأس مهما اشتدت الأزمات والمحن.
الحكاية الثالثة: "خراب قصر غمدان.. عندما تصغر العقول وتنهار الصروح"
قصر غمدان بصنعاء؛ أول ناطحة سحاب في التاريخ البشري، كان تحفة هندسية مذهلة بناها ملوك حمير ليرتفع عشرين طابقاً في السماء، سقف غرفته العليا من قطعتين من الرخام الشفاف (المرمر) بحيث ينام الملك ويرى النجوم من فوقه والطيور تطير في السماء كأن لا سقف بينهما، وعلى أركانه الأربعة أربعة تماثيل من النحاس لأسود عظيمة مجوفة، إذا هبت الريح ودخلت من أفواهها صدر زئير مرعب يُسمع من مسيرة أميال، يحذر المدينة من قدوم الغرباء أو تغير الرياح.
تقول الأسطورة الشعبية إن زوال هذا الصرح العظيم لم يكن بضربة من عدو خارجي، بل بدأ بنبوءة غامضة خطها حكيم قديم على لوح من الرخام في أسفل القصر تقول: "غمدان.. تهدمك عقول الصغار، وتبنيك همم الكبار".
تجاهل الملوك اللاحقون النبوءة، ومع مرور الأجيال، اعتلى عرش اليمن ملك شاب مستهتر وطماع. ضاق ذرعاً بنصائح الحكماء والشيوخ، وأراد أن يبهر زائراً من ملوك الروم بقوته وسلطانه السريع، فأمر بهدم الأسود النحاسية الأربعة وصهرها لصناعة أوانٍ وصحاف من ذهب ونحاس ليزين بها موائده وتماثيل صغيرة لجواديه المفضلتين.
حذره كبار السن وقالوا له: "إن الأسود هي حامية الروح الهندسية للقصر، وصمام أمان توازن برجه الطويل ضد الرياح العاتية". سخر منهم الملك الشاب ووصفهم بـ "أصحاب العقول القديمة والخرافات البالية".
بعد فترة وجيزة من صهر التماثيل النحاسية، هبت عاصفة هوجاء غير مسبوقة تسمى "عاصفة السبعين ليلة" على وادي صنعاء. افتقد القصر توازنه الهيدروليكي والديناميكي الذي كانت التماثيل المجوفة تحققه بمرور الرياح من خلالها، وبدأت التصدعات تظهر في جدرانه العالية ليعقبها انهيار مروع سقطت معه الطوابق العشرون كأحجار الدومينو، متحولة إلى ركام أثري عظيم.
وظلت هذه الحكاية تتردد في الوجدان اليمني كتحذير صارم من العبث بالرموز والأصول الثقافية والهندسية للبلاد، وأن حضارات الأمم لا تنهار إلا عندما تسلم قيادتها لعقول صغيرة تستهين بتراث الأجداد وخبراتهم المتراكمة.
تاسعاً: حفر في الوجدان اليمني: القيمة السوسيولوجية والأنثروبولوجية للأسطورة
تتجاوز الحكايات والأساطير اليمنية كونها وسيلة للمتعة اللفظية وتزجية الوقت، لتعبر عن بنية مجتمعية عميقة وقيم أخلاقية وثقافية راسخة ميزت الشخصية اليمنية عبر العصور:
┌───────────────────────────────┐
│ الأبعاد الأنثروبولوجية للحكاية │
└───────────────┬───────────────┘
┌────────────────────────┼────────────────────────┐
▼ ▼ ▼
[ قيم التضامن والتعاون ] [ مكانة المرأة ودورها ] [ الارتباط العضوي بالأرض ]
- السد ينهار بالفرقة وتماسك - بلقيس وأروى كرموز للحكمة - الفلاح بطل الحكاية الحقيقي
المجتمع يبنيه ويحميه. والسلطة الإيجابية الرصينة. وليس الفارس المستورد.
1. تكريس قيم التضامن والتعاون المجتمعي
في مجتمع زراعي يقوم على المدرجات الجبلية وبناء السدود وقنوات الري المعقدة، كان العمل الجماعي (التعاون أو "الغرم الشعبي") شرطاً أساسياً للبقاء على قيد الحياة. حكايات انهيار سد مأرب، وحكايات القرى التي نجت من غزو الأشرار بفضل تلاحمها، تؤسس في وعي المستمع اليمني فكرة أن الفرد لا قيمة له خارج جماعته، وأن الأنانية والتشرذم هما الطريق الأسرع للهلاك والاندثار.
2. تمثلات مكانة المرأة في المخيال الشعبي
يقدم الموروث السردي اليمني صورة مركبة وفريدة للمرأة تتأرجح بين التقديس والتحذير المهيب. فمن جهة، نجد الرموز التاريخية مثل الملكة بلقيس والملكة أروى بنت أحمد الصليحي (الحرة) تُقدّم في السرديات الشعبية كقمة في الذكاء، والحكمة، والقدرة الإدارية والسياسية التي تفوق الرجال.
ومن جهة أخرى، تتمثل قوى الطبيعة الغامضة والمرعبة في هيئة نسائية خارقة مثل "أم الصبيان" أو "الدجرة"؛ مما يوضح أن العقل اليمني ينظر إلى الأنثى كقوة فاعلة ومهيمنة على مستويين: مستوى التنظيم المدني والسياسي الواعي، ومستوى القوى الطبيعية والبيولوجية العميقة والخفية التي تستحق المهابة والتقدير.
3. تقديس العمل والارتباط بالأرض
في الحكاية اليمنية، لا تبهرنا قصص الفرسان المترفين أو الملوك الكسالى؛ بل البطل الحقيقي للحكاية هو دائماً الفلاح الذكي الذي يفلح أرضه بصبر، أو الراعي اليقظ، أو البناء الماهر الذي يعرف كيف يرص الحجارة لتصمد في وجه السيل. هذا التمجيد للإنتاج والعمل الشريف وحكمة الأرض يعكس البنية الأخلاقية لمجتمع يرى في الحقل وطناً وفي الفأس شرفاً وكرامة.
عاشراً: خطة الإنقاذ وإستراتيجية الدفاع عن الهوية السردية
إننا لسنا أمام ترف تدوين قصص طريفة للتسلية، بل نحن أمام "معركة أمن ثقافي قومي" لحفظ هوية شعب وذاكرة أمة توشك أن تصبح بلا ماضٍ مروي. تتطلب مواجهة خطر اندثار التراث الشفهي اليمني إستراتيجية وطنية متعددة الأبعاد تتكامل فيها الجهود الأكاديمية والمجتمعية والرقمية:
1. الأرشفة والتوثيق الرقمي (الأرشيف الصوتي القومي المفتوح)
الخطوة الإسعافية العاجلة هي إطلاق مشروع رقمي شامل لـ "أرشفة الأصوات". يتمثل ذلك في إنشاء منصة إلكترونية تفاعلية وتطبيق على الهواتف الذكية يسمح للمتطوعين، والباحثين، والشباب في مختلف القرى والمحافظات اليمنية بتسجيل شهادات وحكايات كبار السن (أصوات وصور) ورفعها مباشرة إلى قاعدة بيانات سحابية مصنفة جغرافياً وموضوعياً. هذا يضمن حفظ المادة الخام للتراث بأصوات أصحابها ولهجاتهم المحلية الفريدة قبل رحيلهم.
2. بعث التراث في قوالب وسائطية حديثة (بودكاست وسينما الفنتازيا)
لا يمكننا إجبار الأجيال الشابة على الاستماع للقصص بالطريقة التقليدية القديمة. لذا، تبرز الحاجة لتحويل هذه الحكايات العجائبية والأساطير إلى صيغ رقمية عصرية:
إنتاج سلاسل بودكاست سردية بتقنيات صوتية ثلاثية الأبعاد تنقل المستمع إلى أجواء الكهوف والوديان اليمنية الغامضة.
تشجيع فناني الرسوم المتحركة ومطوري الألعاب الإلكترونية على استلهام كائنات الأسطورة اليمنية (مثل سيف بن ذي يزن، أم الصبيان، والدجرة) وصناعة محتوى ترفيهي مشوق يربط الأطفال بهويتهم بصورة غير مباشرة وممتعة.
3. إدماج الموروث الشفهي في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية
يجب أن تتضمن مقررات اللغة العربية والتاريخ في المدارس اليمنية نصوصاً من الحكايات الشعبية وحكمة علي ولد زايد وأساطير الملوك القدامى، مصحوبة بتحليلات مبسطة لقيمها الأخلاقية والتاريخية. كما يمكن تنظيم مسابقات مدرسية سنوية لـ "الحكواتي الصغير" لتشجيع الطلاب على استجواب أجدادهم وجداتهم وإعادة رواية حكاياتهم أمام زملائهم.
4. المبادرات الثقافية والبحثية الأكاديمية في الجامعات
توجيه أقسام الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والآداب في الجامعات اليمنية (صنعاء، عدن، حضرموت، تعز، إب وغيرها) نحو جعل مشاريع التخرج وأطروحات الماجستير والدكتوراه تتركز على جمع ودراسة وتحليل المأثور الشفهي لكل منطقة جغرافية على حدة وفق مناهج علمية رصينة، وتكريم الباحثين المحليين الذين يبذلون جهوداً فردية في هذا المجال.
خاتمة: أساطيرنا.. نحن الجذور ونحن الأغصان
في نهاية هذا الإبحار الطويل في ثنايا الذاكرة الشفوية اليمنية، يتجلى لنا بوضوح أن الحكايات والأساطير ليست مجرد تسالٍ بالية، أو بقايا خرافات تخلص منها العقل الحديث؛ بل هي روح الأمة الحية وجذورها الضاربة في تربة التاريخ.
إن اليمن الذي يعاني اليوم من التمزق والحروب والأزمات السياسية والاقتصادية الطاحنة، بأشد الحاجة إلى العودة لصوت حكاياته القديمة. ففي تلك الحكايات تذكير دائم بصلابتنا في مواجهة الجفاف، وحكمتنا في ترويض الجبال الوعرة، وعبقريتنا في هندسة وبناء السدود الشامخة والقصور المعلقة، وقدرتنا التاريخية الفذة على النهوض من بين الأنقاض والرماد كطائر الفينيق الأسطوري.
إن حماية الحكايات والأساطير اليمنية من الاندثار هي حماية لآخر قلاع هويتنا الوطنية الجامعة. وعندما نحفظ هذه الحكايات ونسجلها ونرويها لأبنائنا، فإننا لا نحمي الماضي فحسب، بل نمد جسوراً من النور والثقة والتماسك نحو المستقبل، مؤكدين للعالم أجمع أن اليمن ليس مجرد جغرافيا تتقاذفها الصراعات، بل هو منبع حضاري وإنساني خالد، وشعب لا يزال يملك في جعبته الوفيرة الكثير ليقوله ويهديه للذاكرة الإنسانية الكبرى.