أيوب طارش.. صوت اليمن الخالد


أيوب طارش.. صوت اليمن الخالد

بقلم: باحث ومؤرخ في التاريخ الثقافي والوجداني اليمني - منصة "رابط الهوية"

مقدمة: حادي الأرض وصوت الوجدان الجمعي

لا توجد شخصية فنية في تاريخ اليمن المعاصر نجحت في تذويب الحدود الجغرافية، والاجتماعية، والسياسية، وتحويل صوتها إلى قاسم مشترك أعظم لجميع اليمنيين، كما فعل الموسيقار الكبير أيوب طارش عبسي. إن صوته ليس مجرد حنجرة تطرب الآذان، بل هو "جغرافيا مسموعة" لليمن؛ ففي بحته الجبلية الدافئة تتعانق مدرجات تعز الخضراء مع سهول تهامة الحارة، وتلتقي هيبة جبال حراز بشواطئ عدن المفتوحة على المدى، ويمتد صداه من وديان حضرموت السحيقة ليلامس حواف الربع الخالي.

لقد ارتبط صوته بالأرض والتراب والسيادة الوطنية والعمل الإنساني ارتباطاً بنيوياً، حتى غدا رفيق الفلاح في غبش الفجر، وعزاء المغترب في منافي الغربة الموحشة، ولسان حال العاشق في لحظات الوجد، والصوت السيادي الأوحد الذي يردده الصغار والكبار كل صباح في مدارسهم ومعسكراتهم ومحافلهم من خلال النشيد الوطني الخالد. في هذا التحقيق الموسوعي، نبحر في أعماق السيرة الإنسانية والفنية لـ "عندليب الأشجار"، ونحلل الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي جعلت من أيوب طارش صوتاً عابراً للزمن، وحارساً أميناً للهوية والذاكرة الوطنية اليمانية.

أولاً: سيرة المولد والنشأة: من منحدرات "الأعبوس" إلى شواطئ "عدن"

1. الميلاد والبيئة الطبيعية والاجتماعية

ولد أيوب طارش بن نايف بن ناجي العبسي في عام 1942م (وتشير بعض المصادر التقريبية الأخرى إلى عام 1944م) في قرية "المحربي" بعزلة الأعبوس التابعة لمديرية حيفان في محافظة تعز. هذه المنطقة، المتربعة على مرتفعات شاهقة تطل على وديان سحيقة، كانت دوماً بيئة طاردة بسبب شح الموارد، لكنها كانت في الوقت نفسه بيئة ولادة للوعي، والتعليم، والأدب، والتجارة.

نشأ أيوب في حضن هذه الطبيعة الجبلية القاسية والجميلة في آن؛ حيث المدرجات الزراعية المعلقة التي تتطلب جهداً جماعياً مضنياً لحرثها وزراعتها. هذا التلاحم بين الإنسان والجبل غرس في وجدانه الباكر حب الأرض وقيمة الكد الشريف. تفتحت مسامعه الأولى على المهاجل الزراعية الشفهية، وأناشيد الرعاة، وأصوات السواقي، وهمسات الطبيعة التي تركت في نفسه أثراً موسيقياً فطرياً لا يمحى.

                  [ التكوين البيئي والثقافي لأيوب طارش ]
                                    │
         ┌──────────────────────────┼──────────────────────────┐
         ▼                          ▼                          ▼
    [الريف والأعبوس]            [مدينة عدن]               [معاهد القاهرة]
(الأرض، المهاجل، شجن المطر)  (الانفتاح، المدنية، الصحافة)  (الدراسة الأكاديمية والنظريات)

2. الهجرة إلى عدن والتكوين المعرفي

كحال معظم أبناء جيله من أبناء ريف تعز، غادر أيوب قريته في سن مبكرة متوجهاً إلى مدينة عدن، التي كانت تمثل في خمسينيات وستينيات القرن العشرين منارة ثقافية وفنية منفتحة على العالم، وموطناً للصحافة، والمسرح، والنوادي الموسيقية.

في عدن، أكمل أيوب دراسته وتخرج في المعهد العلمي الإسلامي. لم يكن يبحث عن لقمة العيش فحسب، بل كانت روحه تتشرب المشهد الفني العدني الثري الذي كان يضج بألحان خليل محمد خليل، ومحمد مرشد ناجي، وأحمد قاسم. تنقل أيوب في بداية حياته العملية بين عدة وظائف؛ فعمل في شركة الطيران اليمنية حتى عام 1969م، ثم انتقل لاحقاً للعمل في البنك اليمني للإنشاء والتعمير وتدرج فيه حتى تقاعده عام 2001م. هذه الحياة المهنية المستقرة والمنضبطة منحت أيوب فرصة صون كرامته الفنية وتجنب الابتذال أو الركض وراء التكسب السريع من فنه.

ثانياً: بدايات التكوين وقصة "وا مسافر" واكتشاف العندليب

عشق أيوب الغناء منذ صباه الباكر، وكان يداعب أوتار العود بعفوية محاولاً محاكاة الأصوات التي يسمعها. وجاءت المحطة الحاسمة في منتصف الستينيات عندما لحن وغنى أغنية "بالله عليك وا مسافر"، التي كتب كلماتها شقيقه الأكبر والشاعر الراحل محمد بن طارش.

كانت هذه الأغنية بمثابة زلزال وجداني في الساحة الفنية اليمنية؛ إذ عبرت بصدق متناهٍ عن مأساة المغترب اليمني وشوقه الحارق لقريته وأهله. حُمِّلت الأغنية بشحنة عالية من الشجن الريفي الصادق، وبأداء لافت تفرد بنبرة صوته المتميزة. انتشرت الأغنية كالنار في الهشيم عبر أشرطة الكاسيت والبرامج الإذاعية، وأعلنت ولادة نجم فني جديد يمتلك هوية خاصة تختلف عن الطابع الصنعاني التقليدي أو الطابع اللحجي الراقص؛ إنها "الأغنية الجبلية المعاصرة" التي تمزج حداثة المدينة بعبق وجفاف وشجن الريف.

ثالثاً: تأثير المأثور والتراث: كيف صاغ الريف ألحان أيوب؟

تُعد تجربة أيوب طارش الفنية مختبراً أنثروبولوجياً حقيقياً لكيفية إعادة إنتاج التراث الشفهي وتطويره دون المساس بأصالته. لم يستورد أيوب ألحانه من خارج البيئة اليمنية، بل ذهب يحفر عميقاً في الذاكرة الجمعية الفلاحية.

استلهم أيوب قوالب وألحان أغانيه من:

  1. المهاجل والموالد الزراعية: وهي الأناشيد الشفهية التي يغنيها الفلاحون أثناء حرث الأرض أو حصاد المحاصيل لتبديد التعب وتنشيط العزائم.

  2. أغاني "البالة": وهي حوارات شعرية ومساجلات غنائية ريفية تُقام في الأعراس والمناسبات الاجتماعية وتعتمد على الارتجال واللحن الموحد الممتد.

  3. أناشيد الرعاة والمسافرين: الألحان الشجية البسيطة التي تتناغم مع حركة المشي في الجبال أو رعي الأغنام في الهضاب.

من هذه العناصر الخام، صاغ أيوب لغة موسيقية مبتكرة تعتمد على آلة العود والآلات الإيقاعية اليمنية (كالصحن والدرامز الشعبي لاحقاً)، وقام بتبسيط الفواصل الموسيقية المعقدة لتصبح قريبة من وجدان الفلاح البسيط والمدني المثقف على حد سواء. إنه لم ينقل التراث نقلاً أعمى، بل أضفى عليه جمالية معاصرة جعلت الأجيال الجديدة تتغنى بالمأثور الزراعي والشعبي بفخر واعتزاز.

رابعاً: الثنائية الخالدة: أيوب والفضول.. توأمة الكلمة واللحن

لا يمكن دراسة المسيرة الفنية لأيوب طارش دون الوقوف مطولاً وبإجلال أمام أعظم وأقوى ثنائية إبداعية في تاريخ الأغنية اليمنية: ثنائية أيوب طارش والشاعر الكبير الراحل عبد الله عبد الوهاب نعمان، الملقب بـ "الفضول".

                       [ ثنائية الكلمة واللحن ]
                                  │
         ┌────────────────────────┴────────────────────────┐
         ▼                                                 ▼
[ عبد الله عبد الوهاب نعمان - الفضول ]             [ أيوب طارش عبسي ]
 - الكلمة الثائرة والمتحررة من التقليد.             - الصوت الدافئ القادر على التعبير.
 - الصياغة الشعرية السهلة الممتنعة.                - العبقرية التلحينية في قوالب شعبية.

كانت هذه الثنائية توأمة روحية وفكرية وفنية نادرة. كان "الفضول" يمتلك صياغة شعرية فريدة، تدمج العربية الفصحى الرصيقة بالعامية اليمنية الرقيقة، وتتحرر من قوالب الموشحات الصنعانية القديمة لتواكب عصر التحرر والثورة والوحدة. وكان "أيوب" هو الحنجرة الذهبية والملحن العبقري الذي يفهم أبعاد كلمات الفضول ويمنحها أجنحة لتطير في سماء اليمن.

أثمرت هذه التوأمة شلالاً من الروائع الخالدة، التي تنوعت بين:

  • الأغاني العاطفية الرومانسية: مثل "يا حب يا ضوء القلوب"، "خذني معك"، "طاب اللقاء"، "مكانني ظمآن"، و"مطر يهرع".

  • الأغاني الوطنية الملهمة: مثل "لقاء الإخوة"، "هذه يومي"، و"شضت مهما عتا".

  • أغاني الأرض والسيادة: التي تمجد الفلاح والتراب وتدعو للبناء والنهوض.

كان الفضول يكتب القصيدة خصيصاً لأيوب، وكان أيوب يعتكف على الكلمات شهوراً طويلة يفك رموزها ويصنع لها قالباً تلحينياً يشبه تضاريس الأرض التي أنجبت الشاعر والمغني معاً.

خامساً: نشيد السيادة والوحدة: قصة "رددي أيتها الدنيا نشيدي"

يبقى الإنجاز الأسمى والتاريخي في مسيرة أيوب طارش عبسي والشاعر الفضول هو ولادة النشيد الوطني للجمهورية اليمنية: "رددي أيتها الدنيا نشيدي".

1. ظروف التكوين والتطور التاريخي

لم يولد هذا النشيد بقرار سياسي مفاجئ عام 1990م، بل له تاريخ ممتد يعكس نضال الشعب اليمني نحو الوحدة والسيادة. كتبت كلمات القصيدة في الأصل كأنشودة وطنية حماسية أطلق عليها الفضول اسم "أنشودة الوحدة" أو "النشيد الوطني".

لحن أيوب طارش هذه الكلمات بلحن مهيب يجمع بين الحماسة العسكرية والهيبة الإنسانية والشجن اليماني الفريد. وصدح به لأول مرة في منتصف السبعينيات بقاعة "المنتزه" بمدينة تعز في حفل حضره الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، الذي أبدى إعجاباً منقطع النظير بالنشيد ولحنه القوي.

2. رحلة التبني والخلود

في عام 1982م، وأثناء تسجيل أيوب طارش لمجموعة من الأناشيد الوطنية في تلفزيون عدن بمشاركة الفرقة الموسيقية هناك، لفت اللحن والكلمات انتباه القيادة السياسية في الشطر الجنوبي آنذاك، وتم اختياره وتكييفه ليكون سلاماً ونشيداً وطنياً رسمياً لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية خلال فترة الحداد على الشاعر الفضول الذي توفي في يوليو من العام نفسه.

وعند إعادة تحقيق الوحدة اليمنية وإعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م، أُقر هذا النشيد بإجماع وطني وشعبي كونه العمل الوحيد الذي يمتلك شرعية وجدانية وسيادية فوق كل الخلافات والشطور، ليرتفع علم اليمن الجديد على وقع هذا اللحن الخالد.

3. تعديل المفردات: من "أممياً" إلى "سرمدياً"

شهدت كلمات النشيد تعديلاً طفيفاً ومثيراً للجدل في أوساط النخبة الثقافية بعد الوحدة؛ حيث تم تغيير كلمة "أممياً" في المقطع:

"عشتُ إيماني وحبي أممياً.. وسيبقى نبض قلبي يمنياً" لتصبح "سرمدياً" بقرار من اللجنة المعنية بصياغة القوانين والرموز الوطنية للوحدة. ورغم النقد الذي وجهه أدباء كبار (مثل الشاعر عبد الله البردوني) لهذا التعديل باعتباره يمس البنية الفكرية الأصلية للنص، إلا أن اللحن الرائع لأيوب طارش حافظ على هيبته وقدرته الاستثنائية على إثارة مشاعر الشموخ والانتماء لدى كل يمني يرتل هذه الكلمات.

سادساً: خصائص الصوت والأداء: البحة الجبلية والتطريب الحميري

يمتلك أيوب طارش حنجرة فريدة ذات خصائص فنية وجمالية مميزة تجعله غير قابل للمحاكاة التامة أو الاستنساخ:

  • البحة الجبلية (The Mountainous Huskiness): يتميز صوته بنبرة مبحوحة شجية تشبه صدى الصوت في الشعاب والجبال المفتوحة. هذه البحة تمنح أداءه صدقاً تعبيرياً هائلاً، لا سيما في أغاني الحنين والوجد والغربة.

  • المساحة الصوتية الواسعة والوضوح التعبيري: يستطيع صوته الانتقال بسلاسة بين المقامات الشرقية الأصيلة (مثل البياتي، والرست، والصبا) والتكيف مع الإيقاعات الشعبية السريعة والبطيئة على حد سواء، مع الحفاظ على وضوح نطق مخارج الحروف والكلمات ليفهم المستمع دلالة كل مفردة بوضوح.

  • التطريب الحميري والترتيل الريفي: يمزج أسلوب أيوب في الغناء بين ترتيل المقرئين وأداء المنشدين الدينيين في الموالد والتواشيح، وبين غناء الفلاحين العفوي؛ مما أضفى على أغانيه طابعاً روحانياً مهيباً يجبر المستمع على الإنصات والتأمل.

سابعاً: روائع أيوب في الذاكرة اليومية لليمنيين

إن فن أيوب طارش ليس إرثاً مجمداً في المتاحف أو أرشيف الإذاعات، بل هو مادة حية تشكل إيقاع الحياة اليومية لليمنيين حتى يومنا هذا.

المناسبة والموضوع اليومي

أشهر الأغاني المتداولة

الدلالة الوجدانية والاجتماعية

الصباح والعمل الزراعي

"بكر غبش" ، "شجر البن" ، "هيا بنا يا شباب"

بث قيم التفاؤل والنشاط، والارتباط بالأرض، وتمجيد البناء والعمل الشريف مع إشراقة كل فجر.

الغربة والاغتراب

"بالله عليك وامسافر" ، "يا من رحلتوا" ، "طاب اللقاء"

بلسمة جراح المغتربين في المنافي، وتجسيد مشاعر الشوق العائلي والوطني.

الأعراس والأفراح الريفية

"أهلاً بمن داس العذيب" ، "قولوا لأهل مريشة"

إضفاء البهجة والسرور وفق طقوس اجتماعية محافظة تعبر عن وقار الفرح وجمال العادات.

الحب والوجدان

"يا حب يا ضوء القلوب" ، "مكانني ظمآن" ، "بس لا تأشر لي"

تقديم الحب في أبهى صوره الإنسانية العفيفة والراقية بعيداً عن الابتذال اللفظي أو التكرار الممل.

الجانب الروحي والتصوف

"يا ربُّ بهم" ، "جلاء القلب" ، "رمضان يا شهر الصيام"

التعبير عن التعلق الإلهي والقيم الأخلاقية العليا والسكينة الروحية.

ثامناً: مقارنة فنية: أيوب وجيل العمالقة

لم تكن الساحة الفنية اليمنية خالية من العمالقة عاصري أيوب طارش؛ فقد برزت قامات شاهقة كالفنان علي عبد الله السنيدار، وعلي بن علي الآنسي، والشاعر الغنائي والمغني محمد مرشد ناجي، وأحمد قاسم، ومحمد سعد عبد الله.

لكن ما يميز تجربة أيوب طارش بالمقارنة مع هؤلاء العمالقة هو نجاحه الفريد في تجاوز "المناطقية الموسيقية".

  • بينما ظل الفن الصنعاني (مع الآنسي والحارثي والسنيدار) مرتبطاً بقوالب "الغناء الصنعاني المتوارث" وجلسات المقيل النخبوية بالمدينة.

  • وظل الفن اللحجي والعدني مرتبطاً بإيقاعات الساحل والجزيرة العربية واللون الحضرمي المتميز.

  • نجح أيوب طارش في خلق "هوية موسيقية وسطى جامعة"، أخذت من الجبل رصانته وغموضه وشجنه، ومن الساحل انفتاحه ورقته وإيقاعاته السريعة والمبهجة.

استطاع أيوب أن يجعل الفلاح في أقصى جبال صعدة، والصياد في سواحل المهرة، والتاجر في أسواق تعز وصنعاء، يشعرون جميعاً بأن أغانيه تعبر عنهم وعن هويتهم الشخصية والوطنية بذات القدر والعمق.

تاسعاً: التحديات، الأوسمة، وصون الإرث في زمن التمزق

1. التحديات والمحن الصحية

لم تكن مسيرة أيوب طارش مفروشة بالورود؛ بل خاض معارك صامتة ومريرة مع الإهمال الرسمي والمرض. واجه في فترات مختلفة من حياته أزمات صحية بالغة الصعوبة كادت تحرمه من العزف على آلة العود (إصابات في مفاصل وعصب اليد)، واضطر للسفر لرحلات علاجية طويلة في ألمانيا والصين على نفقته الخاصة تارة، وبمساهمات وتبرعات شعبية ورسمية شحيحة تارة أخرى. ورغم ذلك، ظل عزيز النفس، متعالياً على الصغائر، متمسكاً بوقاره الفني الاستثنائي ومحبة جمهوره العريض.

2. التكريمات الرسمية والأكاديمية

حظي أيوب طارش بتقدير واسع النطاق على المستويين الشعبي والرسمي والأكاديمي؛ فتم تكريمه بـ:

  • وسام الفنون من الدرجة الأولى من رئاسة الجمهورية اليمنية.

  • جوائز وتكريمات متعددة من وزارة الثقافة، ومؤسسة العفيف الثقافية، وجامعة عدن، ومؤسسة السعيد للعلوم والثقافة بتعز.

  • منحه درجة الدكتوراه الفخرية في الفنون والآداب من جامعة الحديدة في عام 2013م، تقديراً لدوره الريادي والتاريخي في صياغة وحفظ الهوية الموسيقية والوطنية لليمن.

       [ حائط التكريم والتقدير للأب الروحي للأغنية الوطنية ]
       ┌───────────────────────┬────────────────────────┐
       ▼                       ▼                        ▼
 [ الأوسمة الرئاسية ]    [ الدكتوراه الفخرية ]    [ التتويج الوجداني الشعبي ]
  - وسام الفنون الرفيع.   - جامعة الحديدة 2013م.   - حب جارف يملأ قلوب اليمنيين.

عاشراً: إستراتيجية صون التراث الموسيقي لأيوب طارش وحمايته من الضياع

في ظل الظروف المأساوية والحروب والصراعات التي تعيشها اليمن المعاصر، يواجه الإرث الفني لأيوب طارش (والذي يمثل عصب الأمن الثقافي القومي للبلاد) مخاطر الإهمال، وتلف الأشرطة الأصلية، والقرصنة الرقمية غير المنظمة. يتطلب هذا الوضع إستراتيجية وطنية وقومية عاجلة ومدروسة لحماية هذا التراث وبعثه للأجيال القادمة:

  1. المشروع الرقمي الوطني (أرشيف الفن الأيوبي الشامل): إنشاء منصة رقمية متطورة ومفتوحة لتوثيق وأرشفة جميع أعمال أيوب طارش الغنائية والوطنية والدينية بجودتها الأصلية العالية (Remastering)، وتوفير قاعدة بيانات تفاعلية تشرح ظروف إنتاج كل أغنية، وهوية شاعرها، ومقامها الموسيقي، والآلات المستخدمة فيها لتكون مرجعاً للباحثين والموسيقيين في العالم.

  2. دمج الفن الوطني في المناهج التعليمية والتربوية: إدماج سيرة أيوب طارش وثنائيته مع الشاعر الفضول كنموذج رائد للثقافة والتربية الوطنية في مقررات اللغة العربية والتربية الفنية والتاريخ بالمدارس اليمنية، ليتعلم الأطفال فلسفة الكفاح والعمل والارتباط بالأرض والسيادة من خلال ترتيل أناشيدهم الوطنية الخالدة.

  3. تأسيس "معهد أيوب طارش للموسيقى والتراث الشعبي": تأسيس معهد موسيقي أكاديمي متخصص في مدينة تعز وحواضر اليمن الكبرى يحمل اسمه، يعتني بتدريس المقامات الموسيقية اليمنية، والآلات التراثية (كالعود اليمني والصحن النحاسي)، وتخريج أجيال جديدة من العازفين والمغنين القادرين على استلهام روح مدرسة أيوب طارش في التلحين والأداء والتطوير الموسيقي الرصين.

  4. أعمال السيمفونيات وإعادة التوزيع الأوركسترالي: رعاية وتشجيع المبادرات الفنية العالمية والمحلية لإعادة صياغة ألحان أيوب طارش في قوالب أوركسترالية وسيمفونية عالمية (كما جرى في مشروع "اليمن السعيد" الموسيقي مؤخراً)، لتقديم الفن اليمني إلى المنابر الثقافية الكونية بلغة موسيقية عالمية تبرز عمق وتحضر هذا الشعب العريق.

خاتمة: أيوب طارش.. صوتنا الذي لا يموت

في نهاية هذا الطواف الموسع في ثنايا الذاكرة والوجدان الفني لـ "عندليب الأشجار"، يتأكد لنا بوضوح تام أن أيوب طارش عبسي لم يكن يوماً مجرد مطرب أو ملحن مر في تاريخ الفن وعبر؛ بل هو صائغ الذاكرة والوجدان وحارس الروح والسيادة اليمانية.

عندما تتبدل السياسات، وتتغير الخرائط، وتشتعل الحروب وتكاد تمزق الجسد والنسيج الاجتماعي اليمني، يبقى صوت أيوب طارش هو "الحبل السري الروحي" الذي يربط اليمني بأرضه، وأخيه، وتاريخه العريق. إنه يذكرنا كل صباح، بلهجته الجبلية العذبة وبحته المفعمة بالأمل، بأننا أبناء أرض واحدة معطاءة، وأن شمسنا لا بد أن تشرق بعد القحط والظلام، وأن "ربيع الروح" قادم لا محالة ما دامت الأرض تحرث بفأس الفلاح الصابر، وما دامت قلوبنا تنبض بحب اليمن الخالد.

إن الحفاظ على إرث أيوب طارش وتخليد مدرسته الفنية هو دفاع مستميت عن قلعة هويتنا الوطنية الجامعة. وسيظل صوته وألحانه يصدحان في فضاء التاريخ والوجود، مرددين مع الدنيا نشيد الوفاء والكرامة والحرية إلى أبد الآبدين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم