![]() |
فلسفة الإعلام واستعادة الرابط الوطني |
بقلم: نجم الفهيدي
في لحظة تاريخية يكتنفها الضباب الوجودي وتتقاذفها أمواج التشظي السياسي لا يغدو الإعلام مجرد قناة لنقل الخبر أو منصة لرصد الحدث، بل يتحول إلى مختبر لصناعة الهوية ودرع حصين لحماية الوجدان الجمعي من التآكل.
إننا اليوم أمام معضلة إعلامية تتجاوز مفهوم الأزمة لتصل إلى الاستلاب المعرفي حيث باتت المواقع الإخبارية والقنوات الفضائية غارقة في الآنية المفرطة واللحظية الخبرية التي تفتقر إلى العمق التاريخي والجذر الثقافي.
إن ما نشهده هو حالة من السيولة الإعلامية التي تخدم، بوعي أو بدون وعي، تفتيت الموحد وتمزيق المتصل عبر إغفال السردية الأم لليمن الكبير، والانشغال بفتات التفاصيل التي لا تصنع وطناً ولا تبني وعياً.
إن الفلسفة التي يجب أن تحكم العمل الإعلامي الوطني اليوم هي فلسفة التجذر فاليمن ليس مجرد رقعة جغرافية في "خارطة سياسية" متغيرة، بل هو صيرورة حضارية ممتدة عبر آلاف السنين من نقوش المسند التي حفرت ملامحنا الأولى، وصولاً إلى أحلام الجمهورية والوحدة التي صاغت كرامتنا المعاصرة، ومن هنا فإن الدور المسند للقنوات والمنصات الرقمية يتجاوز المواكبة الخبرية إلى التأصيل الهوياتي
إن القارئ اليمني لا يحتاج اليوم إلى تكرار المعلومة بقدر حاجته إلى تفسير الكينونة يحتاج لمن يربط له الخبر العاجل بصلابة الجبل الحميري، ولمن يذكره بأن الوحدة ليست مجرد اتفاق سياسي هش، بل هي حتمية جغرافية وقدر تاريخي يجمع عقدنا المنفرط.
عندما نتأمل المشهد الإعلامي الراهن نجد أن هناك غياباً مرعباً لـ الإعلام القيمي الذي يستند إلى الرموز الوطنية الجامعة.
إن المواقع الإخبارية مطالبة اليوم بالخروج من شرنقة النص الجاف نحو الفضاء الرمزي عليها أن تمارس دور الحارس المعرفي الذي يفكك خطاب الكراهية والمناطقية قبل وصوله إلى المتلقي مستخدمة في ذلك أدوات التحليل السيميائي للرموز الوطنية وإعادة إنتاج المحتوى البصري الذي يكرس وحدة المصير.
إننا بحاجة إلى أنسنة الإعلام بجعل الإنسان اليمني في أقصى الشمال والجنوب والشرق والغرب يشعر بأنه جزء من نظام اتصالي واحد لا مجرد مستهلك لأخبار الصراعات التي تكرس الفرقة والشتات.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الإعلامية تحتم عليها تبني استراتيجية الوصل الثقافي فبدلاً من أن تكون القنوات صدىً للتجاذبات الخارجية يجب أن تتحول إلى منارات سيادية تستقي قوتها من الداخل.
هذا يتطلب تحولاً جذرياً في أجندة الأولويات بحيث يتم وضع قضايا الهوية الوطنية والجمهورية والوحدة في قمة الهرم التحريري.
لا يكفي أن نرفع العلم في الفواصل الإعلانية بل يجب أن يتغلغل الفكر الوطني في ثنايا التقارير الميدانية، والتحقيقات الاستقصائية، والبرامج الحوارية، ليكون الإعلام هو الغراء الذي يلم شمل النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الأزمات المتلاحقة.
علاوة على ذلك فإن الإعلامي اليمني المثقف يجب أن يمتلك الوعي التاريخي الذي يجعله يفرق بين المعارضة السياسية وبين تقويض الهوية
إن الكتابة بمداد الهوية تعني أن نمارس النقد البناء لمؤسسات الدولة دون المساس بقدسية ترابها ووحدتها.
إننا في ميدان الصحافة الرقمية والفضائية نملك سلطة التوجيه المعنوي وهذه السلطة يجب أن تُسخر لخلق كتلة حرجة من الوعي الشعبي الذي يرفض الانجرار خلف السرديات الدخيلة التي تحاول تصوير اليمن كأجزاء مبعثرة لا رابط بينها. إن "رابط الهوية" هو الخيط المتين الذي ننسج به مستقبلنا، والإعلام هو المغزل الذي يحمي هذا الخيط من الانقطاع.
إنني، ومن منطلق إيماني العميق بجوهر الكلمة، أدعو زملائي القائمين على المؤسسات الإعلامية إلى التوقف عن الاجترار الإخباري والبدء بـ الابتكار الوطني يجب أن نرى برامج وثائقية تعيد الاعتبار للمقاتل الفلاح، والشاعر الثائر، والملك السبئي، والمفكر الجمهوري. يجب أن تتحول المواقع الإخبارية إلى أرشيفات حية للذاكرة الوطنية تربط الجيل الجديد بجذوره لكي لا يسهل اقتلاعه.
إن الإعلام الذي لا يسند ظهره إلى التاريخ هو إعلام مهتز والكلمة التي لا تخرج من قلب الإيمان بالوحدة هي كلمة جوفاء لا تصنع تغييراً.
يظل الرهان قائماً على الإرادة الإعلامية الحرة والمتعلمة إن الوحدة اليمنية محمية بوعينا قبل أن تُحمى بالاتفاقيات والهوية الوطنية حية في وجداننا قبل أن تُسطر في الدساتير وبصفتنا حملة مشاعل التنوير في هذا الزمن الصعب علينا أن نكون فلاسفة في مكاتب التحرير ومقاتلين بالكلمة في ميادين الوعي، والتاريخ لن يذكر المواقع التي رصدت عدد القتلى فقط، بل سيخلد تلك المنصات التي زرعت في قلوب الناس بذرة الانتماء وسقت شجرة الوحدة بماء الحقيقة والجمال لتظل اليمن كما كانت دائماً عصية على الانكسار واحدة موحدة، ومتجذرة في أزل الحضارة.
