![]() |
اليمن واحدية الأرض وتعددية الإبداع |
يقولوا الأرض ذي ما تعزك ما تسقيك واليمن يا غارة الله ما كانت يوماً مجرد تراب وحدود بل هي حتة من الكبد وقطعة من الروح ترفض التشظي برغم كل المحن حين نتأمل هذه الجغرافيا الممتدة نجد أن واحدية الأرض ليست شعاراً نردده في المناسبات بل هي حقيقة جيولوجية ووجدانية تتجلى في مدرجات تعز التي تعانق الغيم وتنعكس في شموخ ناطحات السحاب الطينية في شبام حضرموت إنها الأرض التي تتكلم يمني بكل تضاريسها حيث تتوحد الهوية في عمق الصخر بينما يفيض الإنسان بتعددية إبداعية لا تعرف الحدود هذا التناغم بين ثبات الأرض وحركية الإبداع هو الذي صنع المعجزة اليمنية عبر العصور وجعل من هذا البلد موسيقى يعزفها الجميع بلحن واحد وإن تعددت الآلات.
وعندما نغوص في تفاصيل هذا الإبداع لوجدنا أن اليمني إنسان شغلي بطبعه يده ما توقفش عن العطاء حتى في أحلك الظروف فبينما يظن البعض أن التنوع الثقافي قد يؤدي للتباعد نجد في اليمن أن تعددية الإبداع هي الجسر الذي يربط القلوب فالمبدع في تهامة وهو يغني المهجل للزراعة يتقاطع في وجدانه مع هيجنة البدوي في مأرب ومع دان الحضرمي الذي يسكب الروح في قوالب من طرب هذا التنوع ليس تضاداً بل هو تكامل يخلي اللوحة تكتمل تماماً مثل المشاقر التي تزين رؤوس التعزيين ريحان وكادي وهداب كل له ريحة بس الساق الذي يسقيهم واحد إنها القدرة اليمنية العجيبة على تحويل القسوة إلى فن وتحويل الصخر الصم إلى قصور تتباهى بها الأمم وهو ما نلمسه في الهندسة المعمارية التي توحدت في هيبتها واختلفت في زخرفتها من صنعاء إلى جبل صبر.
لكن وبالرغم من هذا الجمال لا يمكن للإعلام الأكاديمي أن يغض الطرف عن الأوجاع التي تكدر الخاطر فاليوم تحاول السياسة تقاطب فينا وتحاول الأزمات أن تكسر هذا الرابط المقدس لكن الرد يأتي دائماً من الناس البسطاء الذين يؤمنون أن بيني وبينك سبلة ما يقطعه إلا قلة العقل إن التحدي الراهن يكمن في كيفية استثمار هذه التعددية الإبداعية لتكون قاطرة للنجاة فاليميني الذي يبهر العالم بذكائه في المهجر هو نفسه الذي يحفر الصخر في بلده ليبني مستقبلاً بكرة يكون أحلى يا غارة الله إن الإبداع هنا ليس ترفاً بل هو فعل مقاومة ضد التفتت وسلاح ناعم يثبت أن واحدية الأرض هي الملاذ الأخير والقدر المحتوم الذي لا مفر منه.
إن المحصلة النهائية لكل هذه التفاصيل تؤكد لنا أن اليمن بستان كبير أرضه واحدة وسماؤه واحدة أما أزهاره فمتعددة الألوان والروائح وهذا هو سر البقاء نحن نحتاج اليوم إلى خطاب إعلامي يلم الشمل ويركز على القواسم المشتركة التي تجعل من التعزي والصنعاني والعدني والحضرمي والمهرة خيطاً في ثوب واحد اليمن غالية وبنتظل غالية والرهان دائماً على وعي الإنسان الذي يدرك أن الأرض إذا ضاعت ضاعت الهيبة وأن الإبداع إذا توقف ماتت الروح فليكن إبداعنا رسالة حب ولتكن أرضنا حضناً يتسع للجميع لأننا في النهاية عيال تسعة وأمنا اليمن لا تقبل القسمة إلا على نفسها.
