كيف أعادت الأغنية اليمنية صياغة تريند الهوية في عصر السوشيال ميديا؟
نجم الفهيدي
لم يعد الاتصال الجماهيري المعاصر حكراً على النشرات الإخبارية أو المنصات الخطابية الرسمية إذ تصفح المؤشرات الرقمية الحديثة لاتجاهات الرأي العام عن تحول عميق في أدوات التعبئة الوجدانية وصناعة الهايب الثقافي لدى جيل الألفية والجيل الرقمي الجديد وفي قلب هذا المشهد الاتصالي المتسارع برزت الأغنية اليمنية كأقوى منصة اتصالية مرنة قادرة على هندسة وبناء الوجدان الجمعي متجاوزة حدود الجغرافيا والأيديولوجيا لتصبح بمثابة الدي إن إله الذي يحمل شفرة الهوية الوطنية ويحميها من التجريف مستعيدة زخمها الرقمي بمعدلات وصول وتفاعل قياسية على منصات التواصل الاجتماعي
إن المساهمة الحقيقية للأغنية اليمنية في إحياء الهوية الوطنية لم تأت من قوالب المواعظ الجافة بل من خلال قدرتها الفريدة على أنسنة الأرض والتاريخ وتحويلهما إلى نغم يومي يعاش فالأغنية هنا صهرت التنوع الثقافي اليمني الصنعاني واللحجي والحضرمي والتهامي في بوتقة واحدة مكرسة مفهوم الوحدة الوجدانية التلقائية قبل عقود من توقيعها سياسياً لقد حولت الموسيقى التضاريس القاسية والتراب إلى قيم كبرياء وانتماء وجعلت من الفن خط الدفاع الأول عن الشخصية اليمنية المدنية في مواجهة محاولات العزلة أو الطمس التاريخي وتتجلى هذه القوة الاتصالية في شواهد وأمثلة حية لأغان وطنية صاغت الوعي الجمعي وأحيت الهوية ومن أبرزها
رددي أيتها الدنيا نشيدي وثيقة السيادة والخلود
هذا العمل الذي صاغه الشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان الفضول ولحنه وأداه الفنان أيوب طارش ليس مجرد نشيد رسمي للمناسبات بل هو البيان التأسيسي للهوية اليمنية من خلال كلمات مثل عشنا وعاشت مآثرنا وديننا الدنيا وسيرتنا الوفاء أعاد العمل ربط الإنسان اليمني بجذوره حضارياً وجعل من الاعتزاز بالتاريخ جرعة وعي بصرية وسمعية يومية يتلقاها ملايين الشباب محولاً إياها إلى جدار صد قيمي ضد أي تجريف فكري
لمع البرق اليماني ترنيمة الارتباط بالتراب
وفي مسار آخر لتعزيز الهوية عبر أنسنة الطبيعة تأتي روائع الفنان الكبير أيوب طارش لتشكل الموسيقى التصويرية للأرض في هذه الأغنيات يتحول المطر والمدرجات الجبلية وشجرة البن ومواسم الحصاد من مجرد مظاهر طبيعية إلى رموز للكبرياء والولاء للأرض هذا الربط العاطفي العفوي بين الشاب والتراب جعل الأجيال الجديدة تعيد إنتاج هذه الأعمال برؤى بصرية حديثة محولة جبال صبر ووديان تعز ومدرجات المحويت إلى تريندات بصرية تعج بالفخر على منصات التواصل الاجتماعي
نشوان صوت الوعي والتحرر الفكري
حين غنى الفنان الكبير محمد مرشد ناجي المرشدي قصيدة سلطان الصريمي الخالدة نشوان لم يكن يقدم طرباً عابراً بل كان يضخ مادة إعلامية استقصائية مشحونة بالوعي السياسي والفكري الأغنية وظفت شخصية نشوان الحميري التاريخية لتفكيك الجهل والكهنوت والظلم وخاطبت الفلاح والعامل بلغة رصينة وعميقة مما جعلها منبراً توعوياً جباراً أسهم في تشكيل العقل اليمني الثائر والمتمسك بجمهوريته ومدنية دولته
يصيح الليل وأراك طروباً حراسة الإرث الطربي
حين حافظ رواد الأغنية الصنعانية والتراثية مثل محمد حمود الحارثي وأحمد السنيدار على القوالب اللحنية الأصيلة الممتدة لمئات السنين كانوا يمارسون أرقى أنواع إدارة السمعة الوطنية هذا الإرث الغني تخطى الحدود والزمن ليجد الشباب اليوم يعيدون توزيعه بآلات حديثة صانعين منه موجة موسيقية عصرية تجذب ملايين المشاهدات عالمياً وتثبت للشاب اليمني المعاصر أن هويته الفنية مرنة وقوية وقادرة على المنافسة والإبهار في العصر الرقمي
إن الأغنية اليمنية في العصر الرقمي أثبتت بالدليل الاتصالي القاطع أنها الجندي المجهول الأقوى في معركة الوعي فهي لا تحتاج لأساليب التلقين التقليدية لتزرع الولاء بل تنساب بعفوية مطلقة في وجدان الجيل الجديد لتختزل في نقرة زر واحدة رسالة بليغة تفيد بأنك تنتمي لحضارة شيدت صروح النغم والجمال منذ آلاف السنين وما زال صوتها حياً وباقياً ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتبني مؤسسات العلاقات العامة الرقمية لهذا الموروث وإعادة تقديمه بقوالب مرئية احترافية تواكب لغة العصر وتصنع من عبق الماضي جسراً يربط شباب اليوم بهويتهم الوطنية العظيمة
