من مهاجل الريف إلى فضاءات الهاشتاج



من مهاجل الريف إلى فضاءات الهاشتاج
نجم الدين الفهيدي 

في وقتنا الحالي ومع انتشار الفضاءات الرقمية و ضوضاء الانقسام تبرز الهوية الوطنية اليمنية كخيط حريري متين يربط مآذن تريم بشواطئ الخوخة ويطوق جبال صبر برداء البردوني والفضول.
 إننا اليوم كإعلاميين وصناع محتوى لا نقف أمام مجرد موروث جامد بل أمام ترسانة وجدانية قادرة على اختراق الحدود الجغرافية التي رسمتها السياسة وتجاوز العوائق الرقمية التي فرضتها أنظمة النشر الآلية شريطة أن نتقن فن الحكاية الجامعة. فالموسيقى اليمنية والزي، والتاريخ، ليست مجرد كماليات تراثية، بل هي اللغة التي يمكنها صياغة تحركات رقمية عابرة للحدود، تعيد بناء الوعي بالوحدة الوطنية كقدر حضاري لا يقبل التجزئة.


تبدأ هذه الرحلة الإعلامية من بث الروح في الرمز فبدلاً من تقديم التاريخ كمجموعة من التواريخ الصماء، نحوله إلى قصة رقمية تنبض بالحياة. تخيلوا لو أننا استثمرنا (إيقاع الشرح أو رقصة البرع) في حملة رواج عالمي ليست للفرح بل كرمز للتماسك القوي هنا يتحول الإيقاع من صوت مجرد إلى بصمة وطنية تجمع الشتات اليمني في المهجر بقلب الداخل. إن القوة الناعمة التي تمتلكها الأغنية اللحجية أو (البالة) الصنعانية تمتلك من أدوات الربط الوجداني ما يعجز عنه ألف خطاب سياسي، لأنها تخاطب المنطقة الكامنة في العقل الجمعي اليمني، وتعزز من المواطنة الرقمية التي لا تعترف بخرائط التشظي.


وفي هذا السياق تبرز أهمية (الهوية البصرية) كأداة اختزال ذكية فالمعوز اليمني، والملابس التعزية، والنقوش الحميرية، هي في الحقيقة علامات وطنية جاهزة للاستخدام في فضاء (السرد البصري القصصي) ومن هنا، يتحتم على الإعلامي المحترف أن يعيد إنتاج هذه الرموز بقالب عصري يواكب الحداثة فدمج ألوان اللحاف التهامي مع تصاميم الرسم الرقمي الحديثة في حملات ترويجية للبن اليمني مثلاً يخلق حالة من الفخر المشترك. 

هذه الجماليات الموحدة تعمل كمغناطيس رقمي يجذب الشباب نحو مركز الثقل الوطني وتجعل من اليمن الكبير فكرة قابلة للتداول والانتشار الواسع بعيداً عن أوجاع الصراع.
وبلغتنا (التعزية) التي تقطر حباً وتفانياً نقول إن اليمن حالي بكل تفاصيله، ولا يحتاج منا إلا لفتة ذكية تشبك خيوط الماضي بحاضر التكنولوجيا نحن بحاجة لخطاب إعلامي متحذق ولبق يعرف كيف يسوق للعالم ولأنفسنا قصة (الوحدة الثقافية) التي لم تنكسر يوماً فاليمني في نيويورك حين يشاهد مقطعاً بإخراج سينمائي يصور جني محصول البن في حراز على اصوات مهاجل ريفية لا يرى مجرد مزارع بل يرى نفسه وجذوره ووحدته التي تسكن تفاصيل يومياته. إن هذا الربط بين (الرمز والتحرك الرقمي) هو الذي يخلق ما نسميه الاستجابة العاطفية الجماعية وهي الوقود الحقيقي لأي تحرك وطني صادق.
ختاماً إن تحويل المشترك الثقافي إلى حملات رقمية ليس ترفاً بل هو (ضرورة أمن قومي ثقافي) فاليمن في أصله وفصله هو (قصيدة واحدة) موزونة بذهب التاريخ ومهما تعددت الألحان يظل - الوتر يمانياً واحداً. ناصعاً بياضه في القلوب وصامداً بصمود القلاع، وشامخاً كشموخ - صبراً - التي لا تنتهي بهذه الروح السردية يمكن للإعلام أن يكون الجسر الذي تعبر عليه الهوية الوطنية نحو شطآن الأمان، لتظل اليمن، كما كانت دوماً، وطناً يتسع للجميع، ويفتخر به الجميع

إرسال تعليق

أحدث أقدم